الوحدة – سها أحمد علي
في زمنٍ يتسابق فيه الناس خلف أحدث صيحات الطعام السريع، تعود مائدة رمضان لتستعيد أمجاد المطبخ الريفي الأصيل، الذي يتفنّن في تقديم أطباق تجمع بين النكهة التراثية والكنوز الغذائية، وفي مقدّمتها أكلة “القمحيّة”، تلك الوجبة الشعبية العريقة التي كانت عماد الغذاء في البيوت القديمة، وما زالت تحافظ على مكانتها بوصفها كنزاً من الصحة والعافية.
تُعدّ القمحيّة أو “هريسة القمح” من أشهر المأكولات الريفيّة الشعبيّة القديمة، فهي وجبة متكاملة، ليست مجرد طعام، بل هي مقوٍّ طبيعي للجسم والعقل، وذلك لاحتوائها على نسب معقولة من الفيتامينات وبعض المعادن والألياف. بل إنّ القمح، أو “الحنطة” كما يسمّيه القدماء، يُشبّه بالبيضة النباتية، نظراً لما تحتويه عناصره من مغذّيات تُشابه العناصر الغذائية لبيضة الدجاج، مما يجعله خياراً ممتازاً للصائم بعد يوم طويل من الحرمان.
أما تحضير هذه الأكلة في أيام زمان لم يكن سهلاً، بل كان طقساً تراثياً بامتياز، إذ كانت ربات البيوت ينقعن حبّات القمح بالماء حتى تلين، ثم يتركنها لتجفّ قبل دقّها في الجُرن الحجري لتقشيرها. وبعد فصل القشر عن حبّات القمح “الحنطة المقشورة” عبر عملية الذَّرّ بالطبق في الهواء، تبدأ رحلة الطهي بوضع حبّات القمح المقشور مع الحمّص المقشور المنقّى من الشوائب في قدر عميق معدّ للطبخ، وغمرهما بكمية وافرة من الماء لساعات، ثم سلقهما في الماء نفسه حفاظاً على القيمة الغذائية، مع إضافة قليل من الملح. وبعد النضج، تُقدّم “شوربة الحنطة” مدعّمة بالبصل المقلي بزيت الزيتون، لتكون مقبّلاً شهياً.
أما عن الأكلة الرئيسية، فتدخل القمحيّة في أطباق متعددة تتفنن فيها الأيادي الماهرة، ولعلّ أشهرها “القمحية بالدجاج” التي تعدّ غذاءً ودواءً في آنٍ معاً. فتُطبخ الحبّات مع لحم الدجاج المسلوق والمنزوع الجلد والمفتت، ثم يُحرّك الخليط بملعقة خشبية حتى يتجانس تماماً ويصبح لزجاً متماسكاً مع ذوبان اللحم فيه، ليتحوّل الطبق إلى ما يُعرف بـ”هريسة الدجاج” التي تُضاف إليها بعض التوابل حسب الرغبة، فتصبح وجبة دسمة ومشبعة.
أما لمحبي النكهات المنعشة، تبقى “القمحية باللبن” أو “المتبّلة” خياراً رائعاً، فهي وجبة سهلة التحضير، لذيذة المذاق، وتتميّز بقدرتها على إنعاش الجسم، وتُحضّر ببساطة عبر سلق القمحية وتركها تغلي حتى تنضج تماماً، ثم تُترك جانباً لنحصل على القمحية الناشفة، بعد ذلك يُضاف إليها اللبن الرائب الممدد بالماء إليها وهي فاترة مع التحريك المستمر حتى تمتزج المكونات، فتتحوّل إلى طبق خفيف ومنعش.
ولا تقتصر فائدة هذه الأكلة على طعمها المنعش فحسب، بل تمتدّ لتشمل دورها الفعّال في ترطيب الجسم وتعويض السوائل التي يفقدها الصائم خلال النهار، إضافة إلى كونها مهدّئة للمعدة ومريحة للجهاز الهضمي، خاصة عند تناولها بعد وجبة دسمة..
وفي شهر رمضان المبارك، تزداد قيمة القمحية لفوائدها الكبيرة التي يحتاجها الصائم. فهي وجبة متكاملة تمدّ الجسم بالطاقة اللازمة بعد ساعات الصيام الطويلة، بفضل الكربوهيدرات المعقّدة في القمح التي تمنح شعوراً بالشبع لفترات طويلة. كما أنّ الألياف التي تحتويها تعمل على تنظيم عملية الهضم وتمنع الإمساك.. إضافة إلى ذلك، فإن احتواءها على الحمّص واللبن يجعلها غنية بالبروتين، مما يساعد في بناء العضلات وتعزيز المناعة. لهذا، تبقى القمحيّة خياراً مثالياً على مائدة الإفطار، تجمع بين لذّة الماضي وفوائد الحاضر.


