رئيس التحرير – محمود الرسلان
ما يجري اليوم في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب اختبار حقيقي لمعنى الدولة، اختبار نجحت فيه بالحرص على أمن المواطنين، موازنة بين سيادتها على أراضيها وطريقتها بالتعامل مع تنظيم مسلح يصرّ على التصرف كسلطة تسيطر على أحياء داخل مدينة يفترض أنها خاضعة لسيادة واحدة، فحين تقول الدولة السورية إن ما يجري “عملية أمنية لا عسكرية” فهي توجّه رسالة واضحة: هناك اتفاق، وهناك طرف يخرقه، ومدينة لا يمكن تركها رهينة لنزق السلاح.
قسد لم تلتزم بسحب أسلحتها الثقيلة كما نصّ الاتفاق ولم تلتزم بتعهدات العاشر من آذار ومع ذلك تصر على تقديم نفسها كطرف مظلوم، لكن الوقائع الميدانية تفضح هذه الرواية، مدفعية تُطلق على الأحياء المأهولة، قصف عشوائي يطال المدنيين، جرحى بالعشرات ونزوح جماعي باتت قسد تمنع الناس بعده من الفرار بأرواحهم، أي مظلومية هذه التي تُبنى على أجساد الناس؟
اعتداءات متكررة، ولو بحثنا قليلاً في الإحصائيات لوجدنا أرقاماً كبيرة، خلال الشهر الماضي، استهدفت قواتُ قسد الأحياء المحيطة بمناطق سيطرتها، ولا سيما حي الميدان ودوار الشيحان وشارع النيل بأكثر من 350 هجوماً باستخدام المدفعية والهاون والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والطائرات الانتحارية والمسيرة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 مدنياً وإصابة نحو 150 آخرين، ناهيك عن تعطيل حياة الأهالي وتهديد أمنهم اليومي.
في المقابل تتصرّف الدولة بمنطق مختلف، لا نشهد اقتحامات عمياء ولا حرب شوارع، إنما ممرات إنسانية ومراكز إيواء تم بناؤها بشكل عاجل ومحاولات حثيثة لتقليل الخسائر، حتى تعليق الرحلات الجوية في مطار حلب كان إجراء سلامة أمام خطرٍ فرضه طرف لا يلتزم بعهد، هذا السلوك مهما كان، يعكس محاولة الدولة إدارة الأمر بصفتها الأم التي تحرص على أبنائها.
المفارقة أن تنظيم قسد الذي يرفع شعارات هنا وهناك تطالب بـ”الدفاع عن المكونات”، يمارس فعلياً عكس ذلك، بمنعه المدنيين من الخروج، واستخدامهم كورقة ضغط، ثم يتباكى أمام الإعلام.
الاشتباكات في حلب اليوم هي صراع بين مفهومين: مفهوم الدولة التي تريد احتكار السلاح وتنظيم الأمن، ومفهوم الميليشيا التي تريد الاحتفاظ بقوتها الخاصة داخل نسيج مدني، حيث لا يمكن لمدينة مثل حلب أن تعيش في ظل هذا التناقض، إما سلطة واحدة وقانون واحد، أو تنظيمات تهدد أمن الناس.
قد تحاول الدولة أن توازن بين الردع والحوار، لكن هذا التوازن لن يصمد إذا استمرت قسد في اختبار الصبر السوري، فالأمن شرط للحياة، وحلب التي دفعت ثمناً باهظاً في سنوات الثورة لا تحتمل أن تعود رهينة مدافع مزروعة بين البيوت.
من أهم شروط الاستقرار هو الالتزام، ومن أهم شروط الحوار هو التنفيذ، ومن أهم شروط السيادة هو عدم وجود سلاح خارج سلطة الدولة.


