الوحدة – هدى سلوم
في متحف الباحث برهان حيدر للتراث الشعبي في مركز ثقافي عين البيضا، لا تبدو الزيارة عابرة، بل أشبه برحلة في ذاكرة حية تنبض بالحكايات. هنا يمضي الوقت دون أن نشعر، فلكل زاوية قصة، ولكل قطعة أثر يروي تفاصيل حياةٍ مضت، لكنها لم تغب.
تستوقف الزائر قطعتان كبيرتان من الطين الأبيض، مزخرفتان بنقوش لافتة، لتبدأ الحكاية مع “الخالية”، تلك الصومعة البدائية التي اندثرت منذ أكثر من ستين عاماً، بعدما كانت جزءاً أساسياً في كل بيت ريفي.
يوضح الباحث برهان حيدر أن “الخالية” كانت تصنع من مزيج التراب الأبيض والتبن، وتشكل بشكل أسطواني بارتفاع يقارب قامة الإنسان. لها فتحة علوية لسكب الحبوب، وأخرى سفلية صغيرة لاستخراجها، تغلق بقطعة قماشية تعرف بـ”البزيلة”. وكانت تستخدم لتخزين مختلف أنواع الحبوب كمؤونة لفصل الشتاء، حيث تؤمن لها برودة طبيعية تحميها من الحشرات والتلف، وتمنحها مناعة ضد التسوس، بما يقي من أمراض جلدية كانت تعرف بـ”الشري”.
اللافت أن المرأة الريفية كانت تتولى صناعة “الخالية” بالكامل، بدءاً من تشكيلها على مراحل، حيث تنجز طبقة يومياً لتجف قبل إضافة أخرى، وصولاً إلى اكتمالها. بعدها تبدأ مرحلة “التحوير”، باستخدام مادة “الحوارة” المصنوعة من الصخور الكلسية المطحونة والممزوجة بالماء، وتطبق بواسطة أدوات بسيطة من أغصان النباتات تسمى “طيبوشة”.
ولم تكتفِ المرأة بوظيفتها العملية، بل أضفت على “الخالية” روحاً فنية، فكانت تزينها بنقوش مستوحاة من الطبيعة كالفراشات والطيور والزهور، وأحياناً تكتب عبارات دينية مثل “بسم الله الرحمن الرحيم” و”الحمد لله رب العالمين”، لتتحول إلى لوحة نابضة بالجمال والحياة، تعكس حسها الفني رغم قسوة الحياة والعمل الشاق في الحقول.
أما دور الرجل، فاقتصر على المساعدة في إعداد المواد الأولية، كإحضار التراب وغربلته وخلطه بالتبن، وهي عملية تحتاج إلى جهد عضلي كبير، قبل أن تترك المهمة الأساسية للمرأة.
إلى جانب “الخالية”، وجدت أيضاً “سدون”، وهي نسخة أصغر مخصصة لتخزين بعض الحبوب التي لا تستخدم يومياً، كالفول والحمص.
ومع تطور أنماط الحياة، اختفت البيوت الطينية، فاندثرت معها “الخالية”، ثم “العنابر الخشبية”، لتحل محلها الأدوات البلاستيكية التي غزت تفاصيل الحياة اليومية.
إنها حكاية الإنسان القديم، الذي عاش بتناغم مع الطبيعة، فاستمد منها أدواته ووسائل عيشه، من الطين صنع أوعيته، ومن الخشب أوانيه، ومن الحجارة أدواته، في دورة حياة بسيطة، لكنها عميقة الجذور والانسجام.


