الوحدة – بثينة منى
منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها السوريون يهتفون: “الله، سوريا، حرية وبس”، لم تكن تلك الكلمات مجرد هتافات تطلقها حناجر مرتجفة من برد القهر، بل كانت إعلان ميلاد فكرة، لقد كانت تلك الصيحة البسيطة في تركيبها، العميقة في دلالاتها، العنوان الأكبر للثورة السورية، ففي مخيلة السوريين كانت الحرية الحاجة الأساسية التي تفوق الخبز والماء، ومن أجلها دفعوا أغلى الأثمان، لتتحول قصتهم إلى ملحمة كونية عن معنى أن يكون الإنسان حراً.
في ربيع 2011، بدا المشهد وكأنه صحوة كبرى من سبات طويل، خرج الناس ضد النظام وهم يحملون مفتاح العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها، وهم يحملون شهادة ميلاد لأطفال لم يولدوا بعد في كنف الحرية، لم تكن الثورة السورية في مهدها تحمل مشروعاً طائفياً أو عرقياً، بل كانت صرخة وجودية تقول: “نحن هنا، ولنا حق أن نحيا بكرامة”. كانت الحرية في ذلك الوقت مفهوماً نقياً، أبيض، يشبه ابتسامة طفل على كتف أبيه.
وارتبطت الحرية في وجدان الثورة السورية بالكرامة ارتباطاً عضوياً، فالحرية التي نادى بها السوريون تعني حق الإنسان في أن يعيش مكرماً، محمياً بالقانون، بعيداً عن سطوة الأجهزة الأمنية وتغول الدولة المخابراتية، لقد كانت ثورة من أجل “المواطنة”، حيث يكون الفرد مواطناً له حقوق وعليه واجبات، وليس رعية في مزرعة السلطة.
وتجلت في هذه المرحلة عبقرية الثورة السورية، إذ تحول مفهوم الحرية إلى سلوك يومي للمدنيين الذين أداروا مجالسهم المحلية، ونظموا عمل المطابخ الخيرية، وأسسوا المدارس الحرة في المناطق المحررة، كانوا يؤسسون لنموذج مصغر من “الحرية المؤسساتية”، حتى تحت القصف والتجويع، وفي المخيمات والبيوت المدمرة، كانت الحرية تعني القدرة على الضحك رغم الألم، والقدرة على تنظيم مهرجان ثقافي في مدينة محاصرة.
لم تكن الثورة السورية مجرد حركة سياسية تسعى لتغيير حكم، بل كانت تمريناً إنسانياً على “صناعة الحرية” في أقسى الظروف، لقد كشفت الثورة أن الحرية هي لحظة وعي تستيقظ في النفس البشرية ولا تموت، وهي “أن تشعر بأن كرامتك أغلى من رغيف الخبز، وأن صمتك جريمة في حق روحك”.
إن الثورة السورية في جوهرها، هي رحلة البحث عن “الإنسان الحر”، وهي رحلة مستمرة حتى يتحقق الحلم السوري بدولة تضمن كرامة مواطنيها تحت سقف الحرية والقانون.
سيبقى مفهوم الحرية في سوريا مرتبطاً بتلك اللحظة التي قال فيها جيل “لا” للخوف، وسيبقى السوريون، في الداخل والخارج، يحملون هذه الشمعة في وجه العواصف، لأنهم يعرفون أن من لا حرية له، لا وطن له.


