الاقتصاد السوري في عين العاصفة… استراتيجيات لتحصينه من تداعيات الحرب الإقليمية

4 دقيقة للقراءة

الوحدة – تمام ضاهر

يواجه الاقتصاد السوري الناهض اختباراً قاسياً يتمثل في تداعيات الحرب الإقليمية الدائرة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، في ظل الموقع الجيوسياسي الحساس لسوريا في قلب منطقة الشرق الأوسط المضطربة، ما يجعلها نقطة التقاء للمصالح الدولية. ويطرح هذا الواقع تحدياً كبيراً يدفع إلى البحث عن سياسات اقتصادية قادرة على تحصين الاقتصاد الوطني وتخفيف آثار الأزمات، ولا سيما في قطاع الطاقة.

وفي تصريح خاص لـ«الوحدة»، أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أهمية وجود رؤية وطنية شاملة واستراتيجيات متعددة المستويات لحماية الاقتصاد السوري من التأثيرات المحتملة للصراع، وتحويل التحديات إلى فرص. وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب فهماً دقيقاً لقنوات التأثير المباشرة وغير المباشرة للحرب على الاقتصاد.

وأشار عبود إلى أن قطاع الطاقة يمثل أبرز هذه القنوات، إذ تعتمد سوريا بدرجة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية لتلبية احتياجاتها من الكهرباء والنقل والصناعة. ومع اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط العالمية، ما قد ينعكس على السوق السورية بزيادة أسعار المازوت والبنزين بنسب تتراوح بين 29 و35 بالمئة.

وبيّن أن هذا الارتفاع سيشكل «صدمة تكلفة» شاملة، ترفع كلفة الإنتاج الصناعي، وتزيد نفقات النقل، وتضغط على محطات توليد الكهرباء التي تعاني أساساً من عجز كبير، ما قد يؤدي إلى تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي وزيادة الأعباء على المواطنين والقطاعات الإنتاجية.

تأثيرات على التجارة وسلاسل التوريد

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الاقتصاد السوري يعتمد أيضاً على استيراد السلع الأساسية مثل القمح والسكر والزيوت النباتية، إضافة إلى مدخلات الإنتاج الصناعي والزراعي. وأوضح أن الحرب قد تتسبب باضطرابات في حركة النقل البحري والجوي، مع ارتفاع أقساط التأمين على السفن المتجهة إلى المنطقة بنسبة قد تصل إلى 60 بالمئة.

انعكاسات على الاستثمارات

وعن التأثيرات غير المباشرة، أوضح عبود أن الحكومة السورية تعول على الاستثمارات العربية والدولية، ولا سيما من دول الخليج، لدعم عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى تحويلات السوريين في الخارج. إلا أن اندلاع حرب إقليمية واسعة قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر في المنطقة، ما قد يحد من تدفق الاستثمارات ويؤثر في المشاريع الاقتصادية المخطط لها.

استراتيجيات التحصين الاقتصادي

وفي مواجهة هذه التحديات، شدد عبود على ضرورة بناء منظومة تحصين اقتصادية متكاملة تقوم على عدة محاور، أبرزها:
تعزيز الصمود الداخلي: عبر تفعيل خطة طوارئ اقتصادية لحماية الفئات الأكثر هشاشة وضمان توافر السلع الأساسية وضبط الأسواق ومنع الاحتكار والمضاربات.
– استقرار السياسة النقدية: من خلال تدخلات مدروسة للمصرف المركزي لحماية الليرة السورية والحد من استنزاف العملات الأجنبية عبر القنوات غير الرسمية.
– إصلاح السياسات الجمركية: بإلغاء الرسوم على مستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة لدعم الصناعة والزراعة، مقابل رفع الرسوم على السلع الكمالية لترشيد استخدام القطع الأجنبي.

تنويع الشراكات الاقتصادية

وأكد عبود أهمية تنويع العلاقات الاقتصادية الدولية وعدم الاعتماد على شريك تجاري واحد، مشيراً إلى ضرورة فتح قنوات تجارية واستثمارية مع مختلف الأطراف الدولية لتأمين بدائل لسلاسل التوريد وجذب استثمارات جديدة.

تعزيز الأمن الغذائي والطاقوي

وشدد على ضرورة الاستثمار في القوة الذاتية، عبر دعم المزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج وشراء المحاصيل الاستراتيجية بأسعار تشجيعية، بما يعزز الأمن الغذائي. كما دعا إلى التوسع في مشاريع الطاقات المتجددة، وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز المحلية، لجعل قطاع الطاقة أكثر استقراراً واستقلالية.

فرص جيوسياسية محتملة

وأشار عبود إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة إذا استطاعت تقديم نفسها كمنطقة استقرار نسبي وممر آمن للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب، ما قد يعزز دورها في خطوط النقل البرية وخطوط الأنابيب الإقليمية.

وفي ختام حديثه، أكد عبود أن الحرب الإقليمية الحالية تفرض ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد السوري، لكنها في الوقت ذاته تشكل فرصة لإعادة تقييم السياسات الاقتصادية وبناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة يعتمد على الإنتاج والاعتماد على الذات، مشدداً على أن تحصين الاقتصاد الوطني بات ضرورة وجودية لضمان صمود الدولة والمجتمع في مواجهة تحديات المنطقة.

إرسال تصحيح لـ: الاقتصاد السوري في عين العاصفة… استراتيجيات لتحصينه من تداعيات الحرب الإقليمية

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *