الوحدة – بثينة منى
تصوير – نادر منى
مع بلوغ شهر رمضان المبارك أيامه الأخيرة في مدينة اللاذقية، تتحول الأسواق إلى لوحة يومية تعكس مفارقة حادة، فبينما تزدان الشوارع بالفوانيس ويفوح في الأزقة عبق الياسمين الممزوج بروائح القطايف والمعروك، يبرز واقع الأسعار كثقل إضافي على كاهل الأسر، محولاً متطلبات الشهر الفضيل إلى عبء مادي يحاول المواطن جاهداً موازنته مع دخله المحدود.
سوق قنينص.. زحام بلا شراء
في سوق الخضار بحي قنينص، يبدو المشهد للوهلة الأولى مزدحماً، لكن الأيدي تكاد تكون خالية إلا من الضروريات، أبو ماهر بائع خضار في الستين من عمره، يصف الواقع بمرارة: الغلاء فاق كل التوقعات، الأسعار قفزت بشكل ملحوظ مقارنة بالأيام الأولى للشهر، والحركة اليوم تقتصر على المواد الأساسية فقط، بينما غابت الفواكه والكماليات عن سلة المواطن.
ورصدت جولة ميدانية أسعاراً متفاوتة للخضار، حيث تراوح سعر كيلو البندورة بين 10 – 17 ألف ليرة، والخيار من 12 – 18 ألف ليرة، والكوسا بين 22 – 25 ألف ليرة، والباذنجان بين 16 – 22 ألف ليرة حسب النوع، والبطاطا المالحة بين 7 – 10 آلاف، والفليفلة بين 14 و15 ألف ليرة، ويعزو الباعة هذا الارتفاع إلى تكاليف النقل الباهظة، وغلاء المحروقات، وقلة المحاصيل المحلية التي لم تعد تغطي احتياجات السوق بأسعار تنافسية.
الشيخ ضاهر.. التمر لمن استطاع إليه سبيلاً
في منطقة الشيخ ضاهر القلب التجاري للمدينة، يتجمع المواطنون حول بسطات الحلويات والمشروبات الرمضانية، أما التمر رفيق المائدة الأساسي، فقد سجلت أسعاره أرقاماً متفاوتة تراوحت بين 40 و100 ألف ليرة للكيلو حسب الصنف، أبو علي رب أسرة لخمسة أولاد، يتنقل بين البسطات باحثاً عن عروض توفيرية، ويقول لـ”الوحدة”: لدي عائلة كبيرة والراتب لا يكفي لأسبوع واحد، رمضان هذا العام جاء قاسياً جداً، ونحن بحاجة لدعم حقيقي وملموس، خاصة في المواد التموينية الأساسية.
اللحوم والدواجن.. الربع كيلو هو الحل
لم تعد اللحوم الحمراء ضيفاً معتاداً على الموائد إلا للموسرين، بعد أن لامس سعر الكيلو عتبة الـ200 ألف ليرة، وفي حي الصليبة يؤكد أحد الجزارين أن نمط الشراء تغير، قائلاً: الناس باتت تطلب اللحم بالربع كيلو أو بأوزان قليلة جداً لنكهة الطبخة فقط، والبعض استعاض عنها بالدجاج، ورغم أن الإقبال على الدواجن أفضل حالاً بسعر 35 ألف ليرة للكيلو، إلا أن المربين يشكون من تكاليف الأعلاف التي تهدد استمرار هذا الاستقرار النسبي.
الزيوت والسمون.. الشراء بالدين
في قطاع المواد الغذائية، يبقى رغيف الخبز السلاح الأهم لمواجهة الجوع، بينما تسجل الزيوت والسمون ارتفاعات شهرية متلاحقة. وتخبرنا إحدى البائعات في بقالية صغيرة أن سعر ليتر الزيت النباتي وصل إلى 25 ألف ليرة، بينما تجاوز ليتر زيت الزيتون حاجز الـ100 ألف ليرة، كما وصل سعر كيلو السمون إلى 50 ألف ليرة، هذا الوضع دفع الكثير من العائلات إلى اللجوء للشراء بالدين أو التقسيط لتسيير أمورهم اليومية.
المطاعم الشعبية.. رفاهية مؤجلة
حتى المأكولات الشعبية التي كانت ملاذاً بسيطاً لم تسلم من موجة الغلاء، أبو فاي صاحب مطعم في مشروع الأوقاف يشير إلى تراجع الطلب بشكل كبير، موضحاً أن ساندويش الشاورما الذي وصل سعره إلى 25 ألف ليرة بات يعتبر رفاهية للكثيرين، حيث يفضل الناس تخصيص ميزانيتهم لطبخة منزلية تشبع جميع أفراد العائلة.
تودع اللاذقية شهر رمضان وهي تعيش حالة من الصبر والمشاركة، حيث يحاول أهلها التوفيق بين قدسية الشهر وأعباء المعيشة. الأسعار تواصل صعودها، والمواطن يواصل بحثه المضني عن الأقل سعراً وليس الأجود صنفاً، في ظل غياب بوادر انفراج واضحة، لتبقى حركة الأسواق مجرد دوران في المكان، بانتظار حلول حقيقية تلامس واقع الجيوب المنهكة.



