الوحدة – يمامة ابراهيم
إفقار الشعب السوري لم يكن يوماً لنقص في الموارد، وإنما لسوء في إدارتها، فالنظام البائد وعبر عقود اتبع سياسة تفقير الشعب ليضمن بقاءه ذليلاً خانعاً ينتظر أن تجود عليه السلطة بسلة غذائية لا تعدو كونها كسرة خبز في بطون جائعة.
في سوريا وخلال عقود تحول الفساد إلى منظومة تدار من رجالات ومؤسسات تقوم وظيفتهم بالأصل على حماية المال العام لكن شعار “حاميها حراميها” كان قاعدة متسيدة مكنت أصحاب القرار في مستوياته العليا من التحول من مجرد أشخاص يديرون دفة الحكم والسلطة إلى أشخاص يديرون ماكينات فساد ومؤسسات تعمل لحسابهم، وتصب خيرها في حسابات خاصة لهم ولعائلاتهم.
عقود من الزمن تحولت فيها البلاد إلى مزارع تقوم على المحاصصة بينما سواد الشعب يغرق في فقره وعبوديته، وكم كان سؤال كيف تعيش سؤالاً مؤلماً وقاسياً، وغالباً ما يسأله الجميع همساً، وفي غرف مغلقة فمن يجرؤ على الكلام.
براتب لا يتجاوز عشرين دولار للعامل تجود بها حكومات الفساد زمن النظام البائد، بهذا المبلغ الذي لايكفي أجور التنقل، ولا أقول خبز العيش كان على العامل في دولة الفساد أن يتدبر شؤون حياته وحياة أسرته، وكم من رب أسرة كسرته نظرة طفله المتشوق لحلوى العيد أو لباس العيد، وهو غير قادر على الوصول إليها بل يرمقها بحزن من خلف واجهات زجاجية بينما يرفل آخرون أقل منه علماً ومعرفة بحياة الترف والبذخ.
وما كان يزيد من عزلة الناس عن النظام وابتعادهم ليس فقط سياسات النهب المنظم لموارد البلاد والعباد، بل في آلية اختيار القيادات وأصحاب المناصب، وبخاصة في السلطة التشريعية أو ما كان يسمى كذباً وافتراء “مجلس الشعب”، فبدلاً من أن يكون صوت الشعب وممثله كان شريكاً في إفقاره وجزءاً من منظومة الفساد، حيث وأمام عيونه كانت تعبر مركبات الفساد، ولم نسمع ولم تسجل حالة واحدة عبر عقود أوقف فيها المجلس مركبة فساد واحدة، ونتف ريش سائقها أو رفع في وجهها بطاقة صفراء أو حمراء، بل على العكس سهل عبورها كرمى لعيون من تعمل لحسابه.
سوريا المنهوبة تضمد اليوم جراحها، وتلملم ما تبقى من مواردها بعد نجاح ثورتها، وقد أعلنت ثوابتها، وحددت خطوطها الحمراء، حيث لا تهاون مع المتطاول على المال العام أياً كان موقعه ولا مظلة لأحد في هذا الميدان، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد، وفي الجانب الموازي تتابع وتلاحق منظومات الفساد من النظام البائد لتعيد حق الدولة والشعب عبر لجنة الكسب غير المشروع، وكلنا نقف خلفها في ذلك لأن المال المنهوب حق لنا والحق لا بد أن يعود لأصحابه ولو بعد حين.


