فجوة في التصنيع الزراعي باللاذقية .. وخبير زراعي: التصنيع أقل من 15% من المحصول

9 دقيقة للقراءة

الوحدة : سهى درويش ـ سنان سوادي

يبرز التصنيع الزراعي في محافظة اللاذقية كقيمة مضافة للمحاصيل الزراعية المتنوعة التي تمتاز بها وتحقيق مردود اقتصادي أفضل للمزارعين، وفرصة لدعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل جديدة.
فماذا عن واقع التصنيع الزراعي في المحافظة؟ وهل يتم استثمار المنتجات بالشكل الأمثل؟ وماهي استراتيجيات تطوير القطاع؟ وماهو رأي الخبراء في هذا المجال؟

مديرية الزراعة باللاذقية أوضحت لصحيفة “الوحدة” أن أبرز المنتجات الزراعية التي تدخل حالياً في عمليات التصنيع الزراعي في المحافظة هي الحمضيات التي تصنّع كعصائر ومربيات، والزيتون الذي يعصر لإنتاج زيت الزيتون، وإنتاج الصابون، وتخليل زيتون المائدة بالإضافة إلى منتجات أخرى مثل الرمان الخرنوب لصناعة الدبس الكرمة والتين لصناعة المربيات والمجففات، وصناعة الألبان والأجبان ومشتقاتها، وهناك عدد كبير من المنشآت العاملة في التصنيع الزراعي تشمل معاصر زيتون، ومعامل ألبان وأجبان، ووحدات فرز وتوضيب معامل أعلاف، وتتباين طاقتها الإنتاجية حسب نوع المنشأة.

لايوجد معامل بل مراكز ووحدات

وبيّنت زراعة اللاذقية أنه لا توجد معامل تابعة للمديرية، بل مراكز أو وحدات للتصنيع الزراعي (وحدة قبو العوامية لتصنيع العصائر والألبان والأجبان – وحدة بسين للمقطرات – وحدة الدالية لصناعة الصابون والمنظفات) وجميع الوحدات متوقفة عن العمل بسبب ما تعرضت له من تخريب، مشيرةً إلى أن القطاع الخاص يمتلك الحصة الأكبر من المنشآت التي تشمل معظم مصانع الكونسروة ومعامل الألبان والأجبان ومعاصر زيت الزيتون ومعاصر حمضيات، بينما يركّز القطاع العام بشكل رئيسي على صناعات استراتيجية كبرى مثل: صوامع الحبوب والمؤسسات الاستهلاكية.

دعم القطاع الخاص

وأضافت المديرية أنه يتم دعم القطاع الخاص عبر تنفيذ اتفاقيات لخفض تكاليف الإنتاج، وتوجيه الدعم لزيادة المساحات المزروعة، وتسهيل قروض إقامة منشآت تصنيع زراعي، وتسهيل وصول مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومحروقات في الوقت المناسب، والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديث والمكننة الزراعية، وتعزيز دور الإرشاد الزراعي، وتحسين عمليات التسويق، والتركيز على مشاريع تعتمد على الحمضيات والزيتون مثل إنشاء معامل للعصير وتحسين تسويق المحاصيل،
مشيرةً إلى وجود نقص في الكوادر البشرية كمتخصصي الجودة نتيجة هجرة الكفاءات، وضعف التدريب المهني، والتحديات الاقتصادية الحالية، مما يقلل من كفاءة الإنتاج، ويضعف تطبيق معايير الجودة.

استراتيجيات التطوير

وأكدت زراعة اللاذقية أنها تتبع استراتيجيات شاملة لتطوير التصنيع الزراعي من خلال إعداد خطط إنتاجية واستثمارية دقيقة، وإعداد روزنامات زراعية كقيمة مضافة للمحاصيل المحلية عبر دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كتجفيف الفاكهة، وتعبئة الزيتون، واستخلاص الزيوت العطرية، والحد من اختناقات التسويق، ودراسة تكاليف الإنتاج لتعزيز كفاءة المزارع، وتوجيه المحاصيل نحو الأسواق أو المصانع، وإقامة دورات لتدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الحديثة لضمان جودة المحصول الخام القابل للتصنيع، وتبسيط الإجراءات لترخيص المشاريع الزراعية.

مشاريع حالية

تعمل زراعة اللاذقية على إنشاء معاصر زيتون حديثة، وإنتاج زيت زيتون عالي الجودة، بالإضافة إلى الصناعات المرتبطة به، ودعم منشآت فرز وتوضيب الحمضيات بهدف تقليل الهدر وتحسين الجودة للتصدير، وتطوير منشآت الألبان والأجبان، واستصلاح الأراضي لزراعتها بأشجار مثمرة لزيادة الإنتاج، وتحديث تقنيات الري، وإنتاج الغراس المثمرة لتوفير غراس عالية الجودة لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية.

ويجري حالياً العمل على إنشاء وحدات تصنيع غذائي، الأولى في كسب مختصة بصناعة الصابون وخل التفاح، والثانية في عين التينة متعددة الأغراض التصنيعية (ألبان – أجبان – مربيات..) وتجهيزها بالمعدات اللازمة.

ضرورة استراتيجية

من جهته، أشار اختصاصي هندسة التصنيع الغذائي ومراقبة الجودة في كلية الهندسة الزراعية بجامعة  اللاذقية الدكتور علي سلطانة إلى وجود “فجوة” في التصنيع الزراعي باللاذقية، كونها تنتج المادة الخام بكميات كبيرة، لكنها تفتقد السلسلة الصناعية المتكاملة، مؤكداً أن التصنيع الزراعي ليس مجرد “خيار” إنما هو “ضرورة استراتيجية” لإنقاذ المواسم الزراعية وتحويلها إلى قوة اقتصادية تؤدي إلى إعطاء قيمة مضافة للمنتجات الزراعية التي تحسّن وتزيد من سعر المنتج، وهذا الفارق السعري يصب مباشرة في دورة الاقتصاد المحلي بدلاً من ضياعه في بيع المنتجات الطازجة أو التلف أو حتى البيع العشوائي، وهذه العملية تؤدي إلى امتصاص الفائض، وتوازن الأسعار، وتحقيق فرض عمل مستدامة مما يرفع من مستوى المعيشة، وتحسن الأوضاع الاقتصادية.

تنوع بالمنتجات وفرص تصنيعية

وأوضح د.سلطانة أن اللاذقية تتمتع بتنوع فريد من المنتجات الزراعية،  فالحمضيات تملك الكثير من الفرص التصنيعية المرتبطة بها مثل عصائر طبيعية ومكثفة، مربيات، زيوت عطرية من القشور، وبكتين يستخدم في الصناعات الغذائية، وأعلاف جافة للمواشي من البقايا، حيث يتم تصنيع أقل من 15% فقط من إجمالي المحصول، حيث تفتقر المحافظة إلى معامل عصائر ومكثفات  حكومية أو خاصة قادرة على استيعاب الفائض من إنتاج الحمضيات، مما يؤدي غالباً إلى هدر في المحصول أو بيعه بأسعار منخفضة، وبالنسبة إلى الزيتون يتم عصر حوالي 80 % من الإنتاج وتحويله إلى زيت، ويذهب المتبقي للتخليل المنزلي أو التجاري، ومعامل الاستفادة من بقايا المعاصر غير موجودة أو ماتزال دون الطموح مقارنة بحجم الإنتاج، ويضيف د. سلطانة بأنه يوجد بعض معامل التعبئة والتكرير، إلا أن معظم الإنتاج يسوّق بشكل فرط أو عبوات بلاستيكية، لذلك لابد من وجود معامل تعبئة وتكرير وصناعات متممة من عبوات،وتحتوي المحافظة على كميات كبيرة من النباتات الطبية والعطرية والتي يجب تشجيع التصنيع في هذا المجال مثل استخلاص الزيوت الطيارة، وصناعة العطور والمنظفات الطبيعية، وتجفيف وتغليف الأعشاب الطبية للتصدير كمنتجات “عضوية”.

كما يجب تشجيع الصناعات المرتبطة بالزراعات المحمية مثل البندورة والخيار، وأن تعود اللاذقية إلى الصدارة في تصنيع منتجات التبغ لارتباطه بشكل مباشر بالحالة الاقتصادية المحلية، وتشجيع زراعة الأصناف التصنيعية، وتحديث المعامل، وإنتاج أصناف قادرة على المنافسة في السوق المحلية ولها القوة والفرصة للتصدير إلى الأسواق الخارجية.

التحديات والصعوبات

وبيّن د.سلطانة أن أبرز التحديات الراهنة التي تواجه التصنيع الزراعي في المحافظة هي ضعف الخدمات الزراعية من نقص مياه الري وتأثر المحاصيل بالجفاف، مما يؤدي أحياناً إلى تراجع جودة الثمار الموجهة للتصنيع، وارتفاع التكاليف وزيادة تكاليف الطاقة والنقل والسماد والأدوية والمواد الأولية والتي ترفع من الكلفة النهائية للمنتج المصنع، إضافة إلى ضعف الاستثمار وغياب المنشآت التحويلية الكبرى، حيث هنالك حاجة ماسة لاستثمارات كبيرة في تقنيات “ما بعد الحصاد” مثل الفرز، التوضيب، والتبريد لإطالة عمر المنتجات وزيادة فرص تصنيعها، والتشجيع على إقامة منشأت تصنيع زراعي متكاملة بدعم حكومي ومشاركة القطاع الخاص.

الحلقة المفقودة

ولفت د. سلطانة إلى أن التسويق هو الحلقة المفقودة حيث لا توجد منظومة تربط الفلاح بالمصنّع مباشرة أي (الزراعة التعاقدية)، وهذا يجعل المزارع يتخوف من زراعة أصناف “تصنيعية” (تلك التي تعطي عصيراً أكثر) ويفضل أصناف “المائدة”، مما يقلل جودة المادة الخام الموجهة للمصانع، لذلك تواجه عملية تسويق المنتجات الزراعية (الخام والمصنّعة) في اللاذقية “عنق زجاجة” حقيقي، حيث يصطدم الإنتاج الكبير  بعوائق هيكلية ولوجستية تحرم المزارع والمصنّع من الربح العادل، لذلك يجب الانتقال من عقلية “تصريف الفائض” إلى عقلية “التصنيع بهدف الاستهلاك المحلي و التصدير”.

الحلول

وبيّن د.سلطانة أن النهوض بالتصنيع الزراعي يحتاج إلى إبرام عقود مسبقة بين المصانع والفلاحين لزراعة أصناف “تصنيعية”، وإنشاء مناطق صناعية صغيرة تخصصية بالقرب من مراكز الإنتاج، ودعم سلسلة القيمة وخاصة سلاسل التبريد والتوزيع، وتشجيع الصناعات الريفية ودعم حصولها على الاعتماد وعلامة الجودة، ووجود مخابر معتمدة حاصلة على ترخيص لإصدار شهادات الجودة، وتشجيع الطاقات البديلة في التصنيع الزراعي، والتسويق الرقمي، واعتماد البورصة الزراعية الالكترونية، وإقامة المعارض التسويقية الداخلية والخارجية.

زيادة الصادرات.. وتوفير العملة الصعبة

بدوره، الخبير الاقتصادي الدكتور رامز درويش أشار إلى أن التصنيع الزراعي يسهم إلى حد كبير في زيادة الصادرات الزراعية، وخفض الواردات، ورفع مستوى المعيشة في المناطق الريفية، وتحقيق أفضل استغلال للموارد والخامات الطبيعية التي تتميز بالوفرة، مضيفاً بأن مشاريع التصنيع الزراعي تعد من المشروعات الصغيرة كونها تقوم على حجم صغير وعدد محدود من اليد العاملة، ولا تحتاج إلى رأسمال مال كبير، والكثير من دول العالم توجهت إلى رعاية هذه المشاريع كونها توفر بيئة عمل آمنة تشجع على الاستثمار، وتحقق توازن اقتصادي بين الريف والمدينة كون معظم هذه المشاريع تقوم في الأرياف، وتلبي الزيادة في الطلب المحلي على المنتجات الزراعية، وتزيد حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن طريق الزيادة في الإنتاج، وتحقق إيرادات إضافية نتيجة لذلك، وتزيد حجم الصادرات الخارجية، وتوفير عملة صعبة، وفرص عمل.

إرسال تصحيح لـ: فجوة في التصنيع الزراعي باللاذقية .. وخبير زراعي: التصنيع أقل من 15% من المحصول

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *