الوحدة – تمام ضاهر
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن زيادة الأجور تؤدي بشكل مباشر إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وذلك من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأفراد، حيث يزداد الدخل المتاح للتصرف، وأن هذا الارتفاع يُتيح للعاملين تلبية احتياجاتهم الأساسية والكمالية، الأمر الذي ينعش الأسواق، ويزيد الطلب على السلع والخدمات، وهو الأمر الذي يحفز عجلة الإنتاج عبر سلسلة من التفاعلات الاقتصادية اصطلح على تسميتها (المضاعف الاقتصادي).
وأشار عبود في تصريح خاص للوحدة إلى أن أهمية مراسيم زيادة الأجور الأخيرة تأتي عبر ثلاث زيادات، الأولى زيادة عامة بنسبة 50% لجميع العاملين في القطاع العام، والثانية زيادة نوعية للعاملين في قطاعات الصحة والتعليم وقطاعات أخرى محددة، وزيادة ثالثة تمثّلت بزيادة الحد الأدنى للأجور ما يعني أنها ستصيب المتقاعدين والمعينين الجدد.
وأوضح أن الزيادة على الرواتب والأجور تأتي في توقيت تضطرب فيه الأوضاع الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط نتيجة الحرب الدائرة لذلك فهي تعكس قوة الدولة السورية، وحرصها على مراعاة الظروف المعيشية للمواطنين، وتحسين مستويات معيشتهم، مؤكداً أن إقرار زيادات الأجور من دون أية مساعدة خارجية، وبالاعتماد على الموارد الذاتية للحكومة يعكس استقراراً مالياً ونقدياً دون أية منعكسات تضخمية بالمطلق نتيجة عدم التمويل بالعجز أو طباعة أوراق نقدية دون تغطية ذهبية.
ولفت عبود إلى أن زيادات الأجور هذه لا تشمل العاملين في حكومة الإنقاذ سابقاً في محافظة إدلب، وذلك في مسعى حكومي نحو معالجة مسألة التفاوت في الأجور بين مناطق سوريا ما يعني تكافؤاً في الفرص وعدالة اقتصادية بين السوريين كافةً، معتبراً أن فرض حد أدنى للأجور مع تخفيض التكاليف على القطاع الخاص يأتي لتحفيز أصحاب العمل على زيادة رواتب عمالهم بنفس النسب التي طالت القطاع العام، وأن هذه خطوة إيجابية لتحفيز الإنتاج الذي هو أساس النمو الاقتصادي.
وحول ما إذا كانت هذه الزيادات ستشكل صمام أمان للعاملين في وجه أي تضخم أو ارتفاع في الأسعار أشار د. عبود إلى وجود استراتيجيات هيكلية على مستوى المؤسسات والحكومات لتحصين زيادة الأجور الأخيرة من التضخم منها ربط الأجور بمؤشرات غلاء المعيشة (تعديل تلقائي)، وربط الأجور بمؤشرات التضخم، وذلك من خلال تضمين بنود في عقود العمل تضمن زيادة الأجور تلقائياً بنسبة تماثل أو تفوق معدل التضخم السنوي، وهو الأمر الذي يحافظ على القوة الشرائية الحقيقية، منوهاً إلى أن زيادة الإنتاجية، وتحسين كفاءة العمل والإنتاجية يسمح للشركات بزيادة الأجور دون الحاجة إلى رفع أسعار منتجاتها، الأمر الذي يحدّ من زيادة معدل التضخم.
ولفت عبود إلى أنه في القطاع الخاص يمكن أن تكون عقود العمل مرنة من خلال مراجعة الأجور بشكل دوري (نصف سنوي أو ربع سنوي) بدلاً من المراجعة السنوية في أوقات التضخم المرتفع، موضحاً أن هناك استراتيجيات مالية فردية مثل الاستثمار في الأصول الملموسة، والاستثمار في الأسهم الدفاعية كشراء أسهم في شركات القطاعات الأساسية (الأغذية، الطاقة، الرعاية الصحية)، والتي ستكون أقل تأثراً بتقلبات السوق، إضافةً لتنويع مصادر الدخل والبحث عن عمل حر “Freelance” أو استثمارات إضافية لتقليل الاعتماد الكلي على الراتب كمصدر وحيد، مضيفاً أن شراء سندات محمية كالاستثمار في سندات الخزانة المحمية من التضخم “TIPS” تعدل قيمتها وفقاً لمعدل التضخم، والتخطيط المالي والتقليل من الائتمان الاستهلاكي من خلال تجنب الاقتراض مرتفع الفائدة.
وفي ختام تصريحه للوحدة بيّن د. عبود أن الآليات الإيجابية لتأثير زيادة الأجور على الإنفاق الاستهلاكي تظهر من خلال تعزيز الدخل المتاح “Disposable Income”، وأنه عندما تزيد الأجور تزيد الأموال المتاحة للاستهلاك، الأمر الذي يدفع الأفراد إلى زيادة مشترياتهم من السلع والخدمات لأن تحسّن القدرة الشرائية تمكن العاملين من شراء سلع كانوا لا يستطيعون تحمل تكاليفها سابقاً، وهو ما يرفع مستويات المعيشة، مؤكداً أن تفعيل المضاعف الاقتصادي أي زيادة الإنفاق من قِبل الأفراد تخلق دخلاً إضافياً لشركات أخرى ما يؤدي إلى زيادة إنتاجها، وتوظيف المزيد من العمال، وبالتالي زيادة إضافية في الدخل والاستهلاك، مشيراً إلى أنه مع تحفيز الإنفاق الكمالي والخدمات مع تغطية الاحتياجات الأساسية يوجه الأفراد الزيادة في الدخل نحو الخدمات، والترفيه، والسلع المعمرة ما ينعش قطاعات واسعة.


